لسان الدين ابن الخطيب
36
الإحاطة في أخبار غرناطة
فعام إلى حجّ وعام لغزوة * فيعرفه البيت العتيق ووافده ولم يثنه يوما عن العلم والتّقى * كواعب حسن تنثني ونواهده وأكثر سكناه بقفر بحيث لا * تناغيه إلّا عفره وأوابده وما قوته إلّا شعير يسيغه * بماء قراح ليس تغشى موارده عزوبا عن الدنيا وعن زهراتها * وشوقا إلى المولى وما هو واعده ولمّا رأى من سيبويه نجابة * وأيقن أنّ الحين أدناه باعده تخيّره إذ كان وارث علمه * ولاطفه حتّى كأن هو والده وعلّمه شيئا فشيئا علومه * إلى أن بدت سيماه واشتدّ ساعده فإذ ذاك وافاه من اللّه وعده * وراح وحيد العصر إذ جاء واحده أتى سيبويه ناشرا لعلومه * فلولاه أضحى النحو « 1 » عطلا شواهده وأبدى كتابا كان فخرا وجوده * لقحطان إذ كعب بن عمرو محاتده وجمّع فيه ما تفرّق في الورى * فطارفه يعزى إليه وتالده بعمرو بن عثمان بن قنبر الرّضا * أطاعت عواصيه وتابت شوارده عليك قران « 2 » النحو نحو ابن قنبر * فآياته مشهودة وشواهده كتاب أبي بشر « 3 » فلا تك قارئا * سواه فكلّ ذاهب الحسن فاقده هم خلج بالعلم مدّت فعندما * تناءت غدت تزهى وليست تشاهده ولا تعد عمّا حازه إنه الفرا * وفي جوفه كلّ الذي أنت صائده « 4 » إذا كنت يوما محكما في كتابه * فإنّك فينا نابه القدر ماجده ولست تبالي إن فككت رموزه * أعضّك دهر أم عرتك ثرائده هو العضب إن تلق الهياج شهرته * وإن لا تصب حربا فإنّك غامده تلقّاه كلّ بالقبول وبالرّضى * فذو الفهم من تبدو إليه مقاصده ولم يعترض فيه سوى ابن طراوة * وكان طريّا لم تقادم معاهده وجسّره طعن المبرّد قبله * وإنّ الثّمالي بارد الذّهن خامده
--> ( 1 ) في الأصل : « للنحو عطلا » ، وكذا ينكسر الوزن . ( 2 ) في الأصل : « قرآن » ، وكذا ينكسر الوزن ، لذا خففنا همزة المد . ( 3 ) أبو بشر : هو نفسه سيبويه . ( 4 ) يشير هنا إلى المثل : « كل الصيد في جوف الفرا » يضرب لمن يفضّل على أقرانه . والفرا : أصلها : الفراء وهو الحمار الوحشي . مجمع الأمثال ( ج 2 ص 136 ) .